HomeLanguageArabicهل يستطيع الشرق الأوسط كسر الجمود النووي؟

هل يستطيع الشرق الأوسط كسر الجمود النووي؟

-

منظمة معاهدة الشرق الأوسط تقدم رؤية إسرائيلية-إيرانية مبتكرة لمنطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل. 

|TURKISH|RUSSIAN|ENGLISH|JAPANESE|بقلم: رومان يانوشيفسكي 

باريس/القدس (إن بي إس جابان) – على مدى عقود، ظلت فكرة تحويل الشرق الأوسط إلى منطقة خالية من الأسلحة النووية والكيميائية والبيولوجية واحدة من أكثر التحديات الدبلوماسية صعوبة في المنطقة. واليوم، تحاول “منظمة معاهدة الشرق الأوسط” (METO) — وهي مبادرة من المجتمع المدني تطورت لتصبح منظمة مسجلة — تحويل هذه الفكرة إلى إطار تفاوضي عملي. 

تتمثل الغاية المعلنة للمنظمة في بناء شرق أوسط خالي من جميع أسلحة الدمار الشامل، بحيث تكون الأهداف الأشمل هي تحقيق الأمن والسلام الإقليميين. وقد طوّرت المنظمة مسودة معاهدة ديناميكية تغطي الأسلحة النووية والكيميائية والبيولوجية، ولا تقدمها كإتفاقية نهائية، بل كمخطط أولي يمكن للحكومات الاستفادة منه. 

ومن بين الشخصيات التي ساهمت في تأسيس المنظمة، ناشطة السلام وإخلاء السلاح الإسرائيلية شارون دوليف، وخبير فض النزاعات الإيراني عماد كيائي. تعمل دوليف في مجال نزع السلاح النووي في إسرائيل منذ عام 2007، وهي المؤسسة والمديرة التنفيذية للمنظمة؛ بينما يشغل كيائي موقع أحد مديري المنظمة، وعمل لسنوات طويلة في مجالات الدبلوماسية، وتسوية النزاعات، الملف النووي الإيراني. 

تُعد قصتهما محاولة للإجابة عن سؤال أكثر جوهرية: هل يمكن للإسرائيليين والإيرانيين العمل معاً بشأن القضية ذاتها التي وضعت بلديهما على طرفي نقيض في أخطر مواجهة تشهدها المنطقة؟ 

“نحن نجلس على قنبلة موقوتة” 

Sharon Dolev
Sharon Dolev

بالنسبة لدوليف، كان الملف النووي حاضراً قبل وقت طويل من بدئها الحملات المطالبة بنزعه. فقد نشأت في مدينة أراد، القريبة من ديمونة، في إسرائيل حيث كان وجود الأسلحة النووية أمراً مفهوماً على نطاق واسع، ولكن نادراً ما يجري الحديث عنه علناً. 

تتذكر دوليف قائلة: “لقد نشأت مع هذا السر. لا تفكر، ولا تتحدث”. وفي عام 2007، بدأت العمل على نزع السلاح النووي مع منظمة “جرينبيس” الدولية. وعندما أنهت المنظمة حملتها العالمية لاحقاً، قررت مواصلة الطريق بمفردها. 

وكلما تعمقت في العمل على هذه القضية، زادت قناعتها بأن نزع السلاح النووي لا يمكن فصله عن الأمن الإقليمي. وتقول: “حتى لو تمكنت من إقناع العديد من الإسرائيليين بأن الوصول إلى عالم خالٍ من الأسلحة النووية هو أمر يرغبون فيه، فلا توجد طريقة آمنة تجعل الإسرائيليين يعتقدون بوجود إمكانية للتخلي عن الأسلحة النووية دون حل إقليمي”. 

بالنسبة لدوليف، لم تكن المشكلة المحورية تكمن في نقص الإعلانات؛ فالمدن العربية وإيران وإسرائيل ألمحت جميعها، بطرق مختلفة، إلى فكرة جعل الشرق الأوسط خالية من أسلحة الدمار الشامل. وتؤكد أن ما كان غائباً هو النموذج العملي الذي يجعل المشاركة ممكنة. 

وكانت استنتاجها بسيطاً: بدلاً من الاستمرار في وصف أسباب استقالة إقامة هذه المنطقة، كان على أحد ما أن يحاول تصميم نموذج لها. 

منظور إيراني 

من جانبه، قارب كيائي القضية من اتجاه مختلف تماماً. وبحكم عمله كخبير إيراني في فض النزاعات والعلاقات الدولية والدبلوماسية، تابع النزاع النووي بين إيران والغرب لسنوات. وكان يرى أن المسألة النووية جزء من فشل أكبر في التواصل بين إيران والولايات المتحدة، وبشكل أوسع، في البنية الدبلوماسية للمنطقة ككل. 

Emad Kiyaei
Emad Kiyaei

يقول كيائي: “أحد الخيارين هو الحرب، والآخر هو الدبلوماسية. فكيف يمكننا اتخاذ نهج دبلوماسي، مدعوم بحلول سليمة تقنياً وقابلة للتطبيق سياسياً؟” 

قاده عمله إلى التواصل مع فيزيائيين نوويين، ومؤطري سياسات، ودبلوماسيين. وشارك في جهود لتطوير آليات قادرة على إثبات أن البرنامج النووي الإيراني يمكن أن يظل سلمياً تحت رقابة دولية شاملة. 

تلك التجربة أقنعته بإمكانية تطبيق المنطق نفسه خارج نطاق إيران؛ فإذا كانت الآليات الدولية قادرة على التحقق من سلمية الأنشطة النووية لدولة ما، فلماذا لا يتم تطوير نظام إقليمي يشمل كل دولة؟ 

وسرعان ما اتسع نطاق السؤال: ماذا يحدث لو خضع الشرق الأوسط بأكمله لنظام مشترك لمنع الانتشار، والتحقق، ونزع السلاح؟ 

الإسرائيلية والإيراني 

التقى دوليف وكيائي لأول مرة في مقر الأمم المتحدة. كان كيائي قد سمع أن مواطنة إسرائيلية تتحدث علناً عن الأسلحة النووية، وكان رد فعله يتسم بالاستغراب الشديد: “الوقاحة والجرأة في أن تتحدث إسرائيلية عن الأسلحة النووية”، كما يتذكر. فذهب للاستماع إليها وهو ينوي مجادلتها. 

لكنه اكتشف بدلاً من ذلك أنهما يناديان بالعديد من المبادئ ذاتها. وتطورت علاقتهما لتتجاوز حدود اللقاءات الرسمية. وفي إحدى اللحظات، كانت دوليف تمر بأزمة شخصية حادة؛ إذ توفي والدها بعد مرض طويل، وبعد ذلك بفترة وجيزة انفصل عنها شريك حياتها. ورغم ذلك، سافرت إلى الأمم المتحدة لمواصلة تقديم مسودة المعاهدة. 

لاحظ كيائي أن هناك خطباً ما، واقترح أن يتحدثا على حدة. وانتهى بهما المطاف بالحديث عن عائلتيهما وحياتهما الشخصية بدلاً من الحديث عن إيران أو إسرائيل أو الأسلحة النووية. وصفت دوليف ذلك اللقاء لاحقاً بأنه اللحظة التي أصبحا فيها كـ “الأخ والأخت”. 

بالنسبة لكيائي، أصبحت تلك الرابطة الإنسانية جوهر فلسفة منظمة “METO”. ويقول: “عندما يسألنا الناس: هل يمكن للإسرائيليين والإيرانيين والعرب والفلسطينيين وأي طرف آخر العمل معاً لبناء هذا المستقبل؟ نجيب بـ: بالطبع هذا ممكن”. والبداية، من وجهة نظره، تكون بپصيرة الإنسان قبل القومية أو الهوية السياسية أو الصراع التاريخي. 

من “المستحيل” إلى مسودة معاهدة 

عندما بدأت دوليف العمل على المسودة الأولى، تتذكر أن الدبلوماسيين والخبراء كانوا يكررون على مسامعها أن معاهدة كهذه غير قابلة للتحقيق. فلم يكن هناك نموذج إقليمي قائم يغطي الأسلحة النووية والكيميائية والبيولوجية معا. كما أن الدول المعنية كانت على انقسام عميق، وفي كثير من الحالات، لم تكن تجمعها حتى علاقات طبيعية. 

تتذكر دوليف: “لذا لم أكن أعتقد حتى أن كتابة المسودة الأولى ستنجح”. فقد كانت في البداية مجرد تمرين لتحديد العقبات التقنية وفصلها عن المشكلة السياسية المتمثلة في غياب الثقة. 

ومع ذلك، بدأت المسودة بالتداول بين وزارات الخارجية في المنطقة. ووفقاً لدوليف، فإن ردود الفعل فاجأت الناشطين؛ فلم تُعامل الوثيقة كمجرد وهم مستحيل، بل تحولت إلى نص يمكن للدبلوماسيين نقده، وتعديله، والتفاوض بشأنه. 

وكان هذا هو الهدف بالضبط. 

تطورت المسودة عبر نسخ متعددة. وتصف المنظمة النص بأنه وثيقة حية تتغير من خلال المشاورات مع الخخبراء والدبلوماسيين، وليس كمعاهدة يُتوقع من الحكومات مجرد اعتمادها فوراً. 

تقول دوليف: “كان علينا فقط أن نتخيل أن الدول تعني بالفعل ما تقول إنها تريد تحقيقه”. وبمجرد أن تغير السؤال من “هل هذا ممكن؟” إلى “كيف يمكن أن يعمل هذا؟”، بدأ الحوار نفسه يتغير. 

الهدف الحقيقي أكبر من نزع السلاح 

بالنسبة لمنظمة “METO”، لا يُفترض أن تكون المنطقة الخالية من أسلحة الدمار الشامل هي نهاية المطاف. وترى المنظمة أن المفاوضات بشأن الأسلحة النووية والكيميائية والبيولوجية هي واحدة من الموضوعات القليلة التي يمكن أن تجمع دولاً ذات مصالح متضاربة تماماً في غرفة واحدة. فالعملية ذاتها يمكن أن تخلق قنوات تواصل، وتبني الثقة، وتؤسس لعادات التعاون. 

يقول كيائي: “العملية التفاوضية هي الأهم، لأنها تبني الثقة وتمد الجسور”. 

لهذا السبب يتجاوز عمل المنظمة حدود مسودة المعاهدة؛ إذ تشمل أنشطتها الدبلوماسية، والتعليم، والتوعية العامة، والبحوث، والتعاون مع منظمات المجتمع المدني الأخرى. أما الرؤية الأكبر فتتسم بطموح لافت: شرق أوسط يصبح فيه التعاون الإقليمي هو الأصل لا الاستثناء. 

“علينا أن نندفع بجنون نحو المحبة” 

لم تدفع حروب السنوات الأخيرة دوليف وكيائي إلى التخلي عن نهجهما، بل على العكس تماماً. فهما يريان أن العنف أثبت حدود الحلول العسكرية، وفي الوقت نفسه جعل بناء الثقة بين المجتمعات أكثر صعوبة. وهذا يخلق مفارقة: الحاجة إلى التعاون الإقليمي تزداد تماساً في الوقت الذي يصبح فيه التعاون أكثر صعوبة. 

يقول كيائي: “علينا أن نذهب إلى الأقصى في الاتجاه الآخر. إذا كان لدينا متطرفون يدعون إلى العنف والدمار والحرب… فعلينا أن نذهب إلى أقصى الطرف المقابل”. 

بالنسبة له، يعني ذلك التعاطف والتواصل والرفض التعمدي لاختزال شعوب بأكملها في أفعال حكوماتها. ويضيف: “من الأسهل بكثير بالنسبة لي أن أكره عدوي، لذا علينا في الواقع أن نحارب ذلك”. وكلما غرقت المنطقة في أحقاد أعمق، زادت الحاجة — بحسب رأيه — إلى مقاومة ذلك بوعي وإصرار. 

هل جعلت الحرب هذه الرؤية أكثر إقناعاً؟ 

تأتي إجابة دوليف محملة بالتعقيد: نعم ولا في الوقت نفسه. وترى أن الحاجة إلى آليات أمن إقليمي أصبحت أكثر وضوحاً، ولكن غياب الثقة أصبح كذلك أكثر جلاءً. فالمواجهة العسكرية قد تزيد من إدراك الحاجة إلى الدبلوماسية، لكنها في الوقت نفسه تجعل الدبلوماسية أكثر صعوبة. 

كما تعتقد أن الهجمات المتكررة أظهرت القصور الذاتي للقوة العسكرية: “لقد أدركوا أنهم لا يستطيعون إيقاف البرنامج النووي الإيراني بالقوة العسكرية”. ومن وجهة نظرها، ينشئ هذا نافذة تسمح للتفكير في بدائل كانت تبدو في السابق غير واقعية سياسياً. 

وَيذهب كيائي إلى أبعد من ذلك؛ إذ يرى أن أحد دروس مرحلة ما بعد 7 أكتوبر هو أن أمن دولة ما لا يمكن أن يُبنى في النهاية على انعدام الأمن الدائم لجيرانها. ويقول: “العجز عن تحقيق السلام من خلال القوة العسكرية… يتطلب إيجاد مسار بديل للمضي قدماً، يتجاوز حدود العنف”. 

-وهو يرى أن الترتيبات الأمنية الإقليمية تكتسب أهمية متزايدة لأن صراعات الشرق الأوسط لم تعد صراعات ثنائية بامتياز؛ فأي حرب تشارك فيها إيران أو إسرائيل أو الولايات المتحدة أو دول أخرى سرعان ما تلقي بظلالها وآثارها على المنطقة بأكملها. 

إدخال إسرائيل إلى الطاولة 

يبقى التحدي الأكثر صعوبة أمام المنظمة هو ضمان مشاركة إسرائيل. وتؤكد دوليف أن اللغة الدبلوماسية المحيطة بالمنطقة الخالية من أسلحة الدمار الشامل قد تغيرت؛ فبدلاً من الاكتفاء بطلب اتخاذ خطوات أحادية الجانب من إسرائيل، يمكن للحديث أن يركز على تصميم نظام يمكن لإسرائيل المشاركة فيه مستقبلاً مع معالجة مخاوفها الأمنية. 

تقول دوليف: “التغيير الأكبر لم يأتِ من حكوماتنا بعد، بل جاء من الدبلوماسيين”. 

فالهدف الان ليس مجرد مطالبة إسرائيل بالانضمام، بل إيجاد إطار عمل يمكن لإسرائيل دخوله بواقعية. وبالنسبة لدوليف، يعني ذلك إقناع صناع القرار الإسرائيليين بأن العملية الإقليمية لا تشكل تهديداً لأمن إسرائيل، بل يمكن أن تكون جزءاً من هيكلية أمنية طويلة الأجل. 

طريق من القدس إلى طهران 

تتجاوز الرؤية النهائية لمنظمة “METO” حدود الأسلحة النووية بكثير؛ إذ يتخيل كيائي منطقة لم تعد فيها الحدود والتقسيمات السياسية الحالية تمنع الناس من السفر والتجارة والتعاون. ولدى دوليف تصور مماثل: قطار يعبر الشرق الأوسط، يجعل من الممكن تناول وجبة الإفطار في القدس، والغداء في دمشق أو بيروت، والعشاء في طهران. 

قد يبدو الأمر خيالياً، لكنهما يؤكدان أنه ليس كذلك. 

وحجتهما في ذلك هي أن أوروبا كانت تبدو في وقت ما حبيسة دورة لا تنتهي من الحروب. ولم ينشأ الاتحاد الأوروبي لأن قروناً من الصراع اختفت فجأة، بل لأن القادة السياسيين أنشأوا في النهاية مؤسسات صُممت لجعل اندلاع دورة جديدة من الحرب أمراً أقل إمكانية. 

يقول كيائي: “نحن لسنا مختلفين عنهم كلياً، ويمكننا تحقيق ذلك أيضاً”. 

This article is brought to you by INPS Japan in collaboration with Soka Gakkai International in consultative status with UN ECOSOC.

Toward a Nuclear Free World
Toward a Nuclear Free World

INPS Japan

Most Popular